ابن بطوطة
62
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ذكر السبب في إسلام أهل هذه الجزائر وذكر العفاريت من الجن التي تضربها في كل شهر . حدثني الثقات من أهلها كالفقيه عيسى اليمني ، والفقيه المعلم على ، والقاضي عبد الله وجماعة سواهم أن هذه الجزائر كانوا كفارا ، وكان يظهر لهم في كل شهر عفريت من الجن يأتي من ناحية البحر كأنه مركب مملوء بالقناديل ، وكانت عادتهم إذ رأوه أخذوا جارية بكرا فزينوها وأدخلوها إلى بدخانة « 196 » ، وهي بيت الأصنام ، وكان مبنيا على ضفة البحر ، وله طاق ينظر إليه منها ويتركونها هنالك ليلة ، ثم يأتون عند الصباح فيجدونها مفتضّة ميّتة ! ولا يزالون في كل شهر يقترعون بينهم ، فمن أصابته القرعة أعطى بنته ! ثم إنه قدم عليهم مغربي يسمى بأبي البركات البربري وكان حافظا للقرآن العظيم فنزل بدار عجوز منهم بجزيرة المهل فدخل عليها يوما وقد جمعت أهلها وهن يبكين كأنهن في مأتم ، فاستفهمهن عن شأنهن ، فلم يفهمن فأتى ترجمان فأخبره أن العجوز كانت القرعة عليها ، وليس لها إلا بنت واحدة يقتلها العفريت ، فقال لها أبو البركات : أنا أتوجه عوضا من بنتك بالليل ، وكان سناطا : لا لحية له ، فأحتملوه تلك الليلة وأدخلوه إلى بدخانة وهو متوضئ وأقام يتلو القرآن ثم ظهر له العفريت من الطاق فداوم التلاوة فلمّا كان منه بحيث يسمع القراءة غاص في البحر ، وأصبح المغربي وهو يتلو على حاله فجاءت العجوز وأهلها وأهل الجزيرة ليستخرجوا البنت على عادتهم فيحرقوها ، فوجدوا المغربي يتلوا فمضوا به إلى ملكهم وكان يسمى شنورازة « 197 » ، بفتح الشين المعجم وضم النون وواو وراء وألف وزاي وهاء ، وأعلموه بخبره ، فعجب منه وعرض المغربي عليه الإسلام ورغّبه فيه ، فقال له : أقم عندنا إلى الشهر الآخر ، فإن فعلت كفعلك ونجوت من العفريت أسلمت ! فأقام عندهم وشرح الله صدر الملك للاسلام فأسلم قبل تمام الشهر وأسلم أهله وأولاده وأهل دولته ، ثم حمل المغربي لما دخل الشهر إلى بدخانة ولم يأت العفريت فجعل يتلو حتى الصبّاح ، وجاء السلطان والناس معه فوجدوه على حاله من التلاوة فكسروا الأصنام وهدموا بدخانة وأسلم أهل الجزيرة ،
--> ( 196 ) تقدم I - 151 تعليق 88 أن كلمة بذخانة أصلها بوذاخانة أي معبد بوذا الإله عند بعض الهنود . هذا ويحكون مثل القصة عن الفتاة التي تلقى في النيل حتى يجري الماء إلى أن أرسل عمر بن الخطاب رسالة للنيل ج I - 78 - 109 - القزويني : عجائب المخلوقات تحقيق فاروق سعد ، بيروت 1973 ص 226 . ( 197 ) شنورازه يظهر أن هذا اللقب يعني وظيفة سامية في الدولة ، وهو يهجى على عدة أشكال منها شنورجا ( Shano Raja ) ، وجميعها آت في الأصل من اللغة السنهالية والكلمة تعني القائد الأعلى للجيش ، وقد ورد ذكر شنو مرتين في اللوحة الخشبية المنقوشة التي وقفنا عليها في المتحف الوطني لمالديف ، هذا وقد كان حاكم الجزيرة بوذيا على نحو ما كان عليه سكان البلاد قاطبة . . . د . التازي : أقدم نقش عربي في مالديف يتحدث عن المغرب ، مصدر سابق . . .